منوعات

حكايات سلفتى ٢

حكايات رومانى مكرم

سقطت الكلم,,ات كالقذائف في ردهة المنزل، سارة تراجعت للخلف وهي تسند جسدها المرتجف على الحائط، وأحمد رفع رأسه بذهول، وكأن الصدمة أنسته حتى البكاء. “باسمك إنتِ؟” نطقها أحمد بصوت مخنوق، وكأنه لا يصدق أن أخاه الذي س,,رق منه حبيبته وستر فضيحته، قد ينتقم منه بهذه الطريقة في النهاية.

رد المحامي وهو يخرج عقداً مسجلاً من حقيبته: “محمود كان يعلم أن الحقيقة ستظهر يوماً ما. كتب هذا البيت، والمصنع، والأرض المحيطة به باسم ليلى.. ليس كرهاً في سارة، بل كضمان لأن تعيش ليلى بكرامة إذا ما قرر أحمد العودة لماضيه. محمود قال لي نصاً: (ليلى هي الوحيدة التي دخلت هذا البيت بنية صافية، وهي الوحيدة التي تستحق أن تملكه).” ### المواجهة الكبرى نظرتُ حولِي، إلى الجدران التي كنت أظنها تؤويني، فإذا بها سج,,ن بناه الجميع من حولي وقيدوني فيه بسلاسل من الأكاذيب. التفتُّ إلى سارة وقلت بمرارة:

“عشتِ خمس سنوات تمثلين دور الزوجة المخلصة والأرملة المنكسرة، وأنتِ تعرفين أن ابنك هو طع,,نة في ظهر أخ زوجك! كيف كنتِ تنظرين في عيني محمود وهو يذوي أمامك؟” صرخت سارة بانهيار: “كنت أحبه! أحمد هو من تخلى عني واختاركِ أنتِ.. محمود فعل ما لم يجرؤ أحمد على فعله. تزوجني وهو يعلم، منح يوسف اسمه وهو يعلم. محمود لم يكن ضحية، محمود كان القديس الوحيد في هذه المسرحية القذرة!”

ضحكتُ بسخرية وسط دموعي: “قديس؟ بل كان شريكاً في الجـ,ـريمة. بصمته هذا، جعلني أعيش سبع سنوات مع رجل لا أعرفه. جعلني أظن أنني انتصرت في معركة الحب، بينما كنتُ أنا الجائزة التي يغطي بها أحمد عـ,ـاره!” ### قرار الرحيل تقدم أحمد نحوي، وعيناه تلمعان بتوسل مثير للشفقة: “ليلى.. أرجوكِ، البيت، الأملاك.. نحن عائلة واحدة في النهاية. يوسف ابني، ولا يمكنني أن أتركه يضيع. لنبدأ من جديد، سأصحح كل شيء.” نظرتُ إليه بقرف لم أشعر به قط:

“تصحح ماذا يا أحمد؟ هل ستعيد لمحمود حياته؟ أم ستعيد لي سبع سنوات من عمري ضاعت مع سراب؟ أنت لا تبحث عن بداية جديدة، أنت تبحث عن (البيت) الذي أصبح ملكي الآن.” رفعتُ حقيبتي على كتفي، وتوجهتُ نحو الباب. توقفتُ للحظة ونظرت للمحامي: “أستاذ صبري، ابدأ في إجراءات وضع هذا البيت تحت الحراسة. سارة ويوسف يبقيان هنا، ليس عطفاً مني، بل لأنني لن أكون الشخص الذي يشرد طفلاً، حتى لو كان ابن الخـ,ـيانة. أما أحمد…”

التفتُّ إليه وأكملتُ بقوة: “أنت طالق يا أحمد.. ليس بالكلم,,ات، بل بالروح. ورقة طلاقي تصلني غداً، وإلا سأستخدم كل ما أملك من أوراق لتعرف المدينة كلها من هو (البطل) الذي خان أخاه.” ### الوداع خرجتُ من البيت، والهواء البارد يلفح وجهي. لأول مرة منذ سنوات، شعرتُ أنني أتنفس بحق. لم أعد (ليلى زوجة أحمد) ولا (ليلى كنّة عائلة المنشاوي). بينما كنتُ أركب سيارتي، لمحتُ يوسف الصغير واقفاً في الشرفة ينظر إليّ ببراءة لا يعرف ما تخفيه خلفها من كوارث. لوهلة، شعرتُ بالغصة.. لكنني تذكرت أنني لست المسؤولة عن إصلاح ما أفسده الآخرون.

**أنا الآن أملكُ الثمن.. لكنني خسرتُ العمر. ومع ذلك، الخسارة في النور، أفضل بمراحل من المكسب في العتمة.** حكايات رومانى مكرم ظننتُ أن خروجي من ذلك البيت هو النهاية، لكنني نسيتُ أن الجروح التي تفتحها الخـ,ـيانة لا تلتئم بمجرد إغلاق الباب. مر أسبوع على رحيلي. كنتُ أسكن في شقة صغيرة تملكها عائلتي، بعيداً عن صخب “آل المنشاوي”. لكن الصمت لم يدم طويلًا؛ فالمحامي صبري اتصل بي وصوته يرتجف: “ليلى هانم.. الأمور تعقدت. أحمد لم يوقع على أوراق الطلاق، وسارة.. سارة اختفت.”

### الاختفاء المريب عدتُ إلى حيّنا القديم، ليس لبيت محمود، بل لمكتب المحامي. وهناك وجدتُ أحمد ينتظرني. لم يكن ذلك الرجل المنكسر الذي تركته يبكي، بل كان أحمد القديم.. المتغطرس الذي يظن أن المال والقوة يحلان كل شيء. قال لي ببرود استفز كل خلية في جسدي: “البيت الذي كتبه محمود لكِ يا ليلى.. هناك ثغرة في العقد. محمود كتبه لكِ بشرط أن تظلي (زوجة في العائلة). وبما أنكِ طلبتِ الطلاق، فالعقد يعتبر باطلاً وتعود الأملاك لورثة محمود.. أي ليوسف.”

ضحكتُ بسخرية: “ويوسف هو ابنك، أليس كذلك؟ تريد أن تأخذ كل شيء.. حتى وصية أخيك التي أراد بها حمايتي منك!” اقترب مني وهمس بفحيح: “سارة أخذت يوسف وهربت. هي تظن أنني سأتخلص منها بعد أن فضحت السر. لكنني أحتاج يوسف.. لأنه المفتاح الوحيد لكل قرش تركه محمود. ابحثي عنها يا ليلى، لأنها إذا لم تظهر.. سأهدم هذا البيت فوق رأس الجميع.” ### سر الصندوق الأسود في تلك الليلة، تسللتُ إلى بيت محمود القديم. كنتُ أملك المفاتيح ولم يغيرها أحمد بعد. كنتُ أبحث عن شيء واحد.. “الجزء المقطوع من الوصية”. كان لدي شعور بأن محمود لم يترك الحقيقة ناقصة عبثاً.

دخلتُ مكتبه، كانت الرائحة لا تزال عالقة بالمكان.. رائحة الورق والتبغ والمرض. بدأتُ أفتش في أدراج سرية كان يخبرني عنها في لحظات صفائه، حتى وجدتُ صندوقاً معدنياً صغيراً مخبأ خلف لوحة زيتية. فتحتُ الصندوق بقلب ينبض بعن,,ف. لم أجد ورقة.. بل وجدتُ **مسجلاً صوتياً قديماً**. ضغطتُ على زر التشغيل، فخرج صوت محمود، كان يلهث، وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة: > *”ليلى.. إذا كنتِ تسمعين هذا، فأنا قد رحلت. أحمد يظن أنه خدعني، وسارة تظن أنها سترت عارها بي.. لكن الحقيقة أغرب مما يتخيلون. يوسف ليس ابن أحمد يا ليلى.. سارة كذبت على أحمد أيضاً لتربطه بها للأبد. يوسف هو…”*

> ### الحقيقة الصادمة توقف التسجيل للحظة، ثم أكمل بصوت باكي: *”يوسف هو ابن (جمال).. الرجل الذي -,,-ه أحمد في ح,,ادث سيارة قبل سبع سنوات وهرب من العقاب بمساعدتي. سارة كانت تحب جمال، وحين م,,ات، قررت الانتقـ,ـام من أحمد بأن تجعله يربي ابن قتـ,ـيله وهو يظن أنه ابنه.. أو تجعلني أنا أحمل العار. أنا لم أتزوجها ستراً، أنا تزوجتها لأحمي أخي من حقدها.. لكنني الآن سأحرركِ أنتِ.”* سقط المسجل من يدي. يوسف ليس ابناً لأي من آل المنشاوي. يوسف هو “مشروع انتقام” طويل الأمد زرعته سارة في قلب العائلة.

### المواجهة الأخيرة التفتُّ لأخرج، لكنني وجدتُ سارة واقفة عند الباب، وبيدها مسدس مصوب نحو ص,,دري. لم تكن تبكي، كانت عيناها تقدحان شرراً، وخلفها يوسف الصغير يمسك بطرف ثوبها وهو يرتجف. قالت بصوت حاد كالسكي,,ن: “سمعتِ الحقيقة إذن؟ محمود كان أذكى مما تصورت.. لكنه م,,ات وهو لا يعرف أنني كنت أعرف بأمر التسجيل. كنتُ أنتظر أن تجديه أنتِ.. لينهي أحمد نفسه بنفسه حين يعلم أنه أضاع حياته لأجل ابن الرجل الذي -,,-ه.” قلتُ لها وأنا أحاول التماسك: “أنتِ مجنونة يا سارة.. ستدمرين حياة الطفل!”

ردت بضحكة هستيرية: “هذا الطفل هو من سيأخذ أموالهم، أرضهم، وتاريخهم.. وسأكون أنا الوصية عليه. والآن يا ليلى.. أنتِ الوحيدة التي تقف في طريقي.” **تحركت سارة نحو الزناد، وفي تلك اللحظة، سُمع صوت ارتطام قوي بالباب.. كان أحمد قد وصل.** ## الجزء السابع: رقصة الم,,وت الأخيرة تجمّد الزمن في تلك اللحظة. فوهة المسدس موجهة نحو ص,,دري، وعينا سارة تلمعان بجنون لم أره من قبل، وصوت أحمد خلف الباب يحاول تحطيمه بشراسة. “افتحي يا سارة! افتحي يا ليلى! المحامي أخبرني بكل شيء.. أعرف أنكِ هنا!” صرخ أحمد، وكانت نبرة صوته مزيجاً من الرعب والغل.

سارة لم تلتفت. بقيت عيناها معلقتين بعيني، وقالت بصوت خفيض ومرعب: “أرأيتِ؟ لقد جاء القـ,ـاتل ليحمي ضحيته.. أم لي-,,- ما تبقى من الحقيقة؟” ### سقوط القناع فجأة، تحطم قفل الباب واندفع أحمد إلى الداخل. توقف مكانه حين رأى المسدس. لم ينظر إليّ، بل كان ينظر إلى يوسف، الطفل الذي ظن لسنوات أنه ابنه، ثم ظن أنه عاره، والآن يكتشف أنه ابن “جمال”.. الرجل الذي دهسه بسيارته وتركه ينزف حتى الم,,وت على الطريق الصحراوي قبل سبع سنوات.

“أحمد.. هل تريد رؤية ابنك؟” قالت سارة بسخرية لاذعة، وهي تشد يوسف أمامها. “انظر إليه جيداً.. ألا تشبه عيناه عيني جمال وهي تنظر إليك في لحظاته الأخيرة؟ لقد ربيته بمالك، وأعطيته اسم عائلتك، والآن سياخذ كل ما تملك.” أحمد كان يرتجف، وجهه تحول إلى لون رمادي ميت. نطق بصعوبة: “كنتِ تعرفين؟ كل هذه السنين.. كنتِ تمثلين الحب وأنتِ تخططين لهذا؟” “أنت -,,-ت الرجل الوحيد الذي أحببته!” صرخت سارة، واهتزت يدها بالمسدس. “محمود كان يعرف، وحاول أن يشتري صمتي بالزواج وبالمال، لكنه لم يفهم أن الن,,ار لا تطفئها الأموال.”

### اللحظة الفاصلة في تلك اللحظة، لاحظتُ أن يوسف الصغير بدأ يبكي بصوت مكتوم. نظرتُ إلى الطفل، الضحية الحقيقية وسط هذه الوحوش. قلتُ بهدوء غريب، وكأن الم,,وت لم يعد يخيفني: “سارة.. يوسف لا ذنب له. إذا أطلقتِ الن,,ار الآن، ستكونين مثلك مثل أحمد.. قـ,ـاتلة. هل تريدين لابن جمال أن يرى أمه وهي تُقاد إلى الإعدام؟” اهتزت يد سارة قليلاً. استغل أحمد هذه اللحظة من التردد واندفع نحوها بجنون، لا ليأخذ المسدس، بل ليخنق الحقيقة التي تمثلها سارة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى