المظروف اللي كان في إيدي كان تقيل، تقيل أكتر من أي سـ . ـلاح في الدنيا. ”آسر المنشاوي” كان واقف قدامي في نور شقته الفخمة، وشه ممسوح منه أي تعبير من التعبيرات المثالية اللي قعد طول عمره بيتقنها. ومن وراه، القاهرة بتلمع من ورا القزاز، ومحدش واخد باله إن واحدة من أقوى عائلات البلد على وشك إنها تتفجر في صمت. #روايات_مشيره_محمد
صوابع “ياسين” ضغطت على إيدي أكتر. كان بيحاول يبان شجاع، كنت حاسة بإيده الصغيرة وهي بتترعش بس رافض يسيبني. ابني.. ابننا.. كان واقف مستخبي نص نص في جنبي، بيبص لآسر بأمل طفل تاه منه جزء من حياته ونفسه الجزء ده يرجع يبص له ويقول له “أنا عايزك”. آسر بص له كأن الدنيا اتشقلبت من تحت رجليه. قال “ليلى” تاني، بس المرة دي اسمي مكنش سؤال.. كان وجع. مديت إيدي بالمظروف، وإيدي كانت ثابتة رغم إن قلبي كان بيدق لدرجة إني مكنتش سامعة حاجة تانية. “يمكن الأحسن تسألها هي ليه أنت عمرك ما عرفت.”
”هالة هانم المنشاوي” كانت واقفة عند الباب، لابسة أسود كأنها مستعدة لجنازة حد تاني. شعرها الفضة كان مرفوع بدقة، وألماظها بارد على رقبتها، وشفايفها كانت مضمومة بخط رفيع، الخط ده اللي كان بيخلي أعضاء مجلس الإدارة يوطوا عينيهم والخدامين يختفوا من الأوضة. من تمن سنين، النظرة دي كانت بترعبني. النهاردة، بقت بس بتفكرني أنا استحملت قد إيه. آسر لف ببطء ناحية والدته: “تقصد إيه بالكلام ده؟” هالة هانم رفعت راسها بكبرياء: “متقصدش حاجة.. طول عمرها درامية وبتحب التمثيل.”
ضحكة مريرة كانت هتطلع مني. “تمثيل”.. ده اللي قالته عليا لما كنت بعيط قدام أبوابهم. “تمثيل” لما كنت بترجاها تخلي آسر يرد على مكالمـ . ـاتي. “تمثيل” لما سلمتني ورق بيتجنى عليا بالسرقة والخـ . ـيانة عشان تبعدني عن العيلة اللي كنت فاكرة إني هبقى جزء منها. آسر محولش عينه عن والدته: “ردي عليا.” صوته كان واطي، بس الأوضة كلها اتغيرت، حتى الهوا كأنه وقف. هالة هانم بصت لياسين، ولثانية واحدة، شفت الخوف في عينيها. مش ذنب، ولا ندم.. خوف.
قالت: “مستحيل يكون ابنك.. ده مش ممكن يحصل.” ياسين اتنفض. الحركة الصغيرة دي هي اللي قطعت آخر حبل في صبري. #روايات_مشيره_محمد قلت بحدة: “لا، لحد هنا وكفاية.” الكل بص لي. قربت خطوة وسحبت ياسين ورا ضهري أكتر: “ممكن تكدبي عليه، تكدبي على مجلس الإدارة، على المحامين، الصحافة، البلد كلها.. بس مش هتقفي قدام ابني وتمسحيه من الدنيا كأنه غلطة أو حاجة مش مريحة.” هالة هانم عينيها جمدت: “أنتِ اللي مشيتي يا ليلى.” همست لها: “لأ.. أنتِ اللي اتأكدتي إن ميبقاش قدامي سكة تانية غير إني أمشي.”
آسر بص لي بذهول: “بتقولي إيه؟” بصيت في عينيه بجد. كان في تجاعيد حوالين عينيه مكنتش موجودة زمان، وشيب عند الجناب. لسه وسيم بنفس الطريقة اللي كانت بتخليني أحس إني محظوظة إني واقفة جنبه، بس دلوقتي كان باين عليه إنه بني آدم.. وموجوع.. وإن الوقت فات خلاص. قلت له: “مكالمـ . ـاتي ورسايلي مكنتش بتوصل لك.” حواجبه اتقبــ,,ـــــضت: “رسايل إيه؟” فتحت المظروف وطلعت أول مجموعة ورق: “نتائج الحمل.. تقارير المـ . ـستشفى.. والجواب اللي بعتهولك بعد تلات أيام من يوم ما مشيت.”
آسر مد إيده ياخدهم بالراحة، كأن الورق ممكن يحــ,,ـــــرق صوابعه. هالة هانم قربت: “آسر، بلاش.” هو جمد في مكانه، وبعدين بص لها.. ودي كانت أول شرخ حقيقي في ثقته فيها. سألها: “ليه؟” قالت ببرود: “عشان كانت خطر.” رديت عليها: “كنت عندي 24 سنة.” قالت: “كنتِ طموحة زيادة.” قلت: “كنت حامل.” قالت: “كنتِ تهديد.” آسر كان بينهج بصعوبة: “تهديد لإيه؟” عينيها لمعت: “لكل حاجة أبوك بناها.. للعيلة.. للشركة.. لمـ . ـستقبلك أنت.” آسر صوته واطي: “مستقبلي؟ قصدك الصفقة الكبيرة والاندماج اللي كنتوا بتخططوا له.”
السكوت ساد المكان. معدتي وجعتني، كنت عارفة أجزاء من الحقيقة، بس سماعها وهي بتتشكل قدامي خلى الأوضة أبرد. آسر بص لي: “ليلى.. والدتي قالت لي إنك خدتي فلوس من حساب المؤسسة وهربتي.” قلت له: “عارفة.. هي بعتت لي نفس الورق المزور ده.” وشه اتشد: “كنتِ عارفة؟” “كنت عارفة التهمة، مكنتش أعرف إنك صدقتها.” عينه نزلت للأرض. الوجع ده كان أصعب مما كنت أتخيل، لأن في حتة صغيرة جوايا كانت لسه بتأمل إنه دور عليا، إنه شك فيهم، إنه حبني كفاية عشان يسأل سؤال واحد قبل ما الدنيا تبلعني.. بس هو مألفش وراهم.
ياسين شد إيدي بالراحة: “ماما.. هو زعلان مننا؟” السؤال ده دمرني. وقبل ما أرد، آسر نزل على ركبته قدامه.. مش تمثيل ولا عشان يأثر فينا، بس كأن جسمه مقدرش يشيل تقله قدام الطفل اللي معرفش عنه حاجة تمن سنين. قال له بصوت مخنوق: “لأ يا ياسين.. أنا مش زعلان منك أبداً.” آسر كان بيبص له وعينيه بتلمع بدموع محبوسة، بس ممدش إيده يلمـ . ـسه، كأنه فهم إن الأبوة مش كلمة بتتقال، دي حق لازم يتعب عشان ياخده.
همس: “مكنتش أعرف.. والله مكنتش أعرف.” ياسين بص لي كأنه بيسألني: “أصدقه؟” مجوبتش، لأني مكنتش متأكدة. صوت هالة هانم قطع اللحظة: “مشهد مؤثر، بس ملوش لازمة. وجود طفل مش هيغير الواقع.” آسر قام ببطء: “لأ.. بس التزوير هيغيره.” هالة هانم وشها جمد. آسر بص في الورق اللي في إيده: “أنتِ اللي زورتي سجلات التحويل؟” مسكتش. “أنتِ اللي منعتي مكالمـ . ـات ليلى؟” لسه ساكتة. سألت أنا: “وأنتِ اللي دفعتي لصاحب البيت عشان يطردني؟”
آسر بص لي بصدمة. طلعت ورقة تانية: “كنت في الشهر السابع لما فجأة عقد إيجار شقتي اتلغى. وفي نفس الأسبوع، كل عروض الشغل اللي كانت قدامي اختفت، والمحاسيب اللي كنت أعرفهم رفضوا يكلموني. حسابي في البنك اتجمد بسبب التحقيق اللي والدتك اخترعته.” آسر كان شكله هيرجع من القرف. هالة هانم قالت ببرود: “أنتِ أخدتي تعويض.”