كانت الرياح القادمة من النيل باردة بشكل مفاجئ، رغم حرارة الجو في القاهرة. سيف كان يجلس في سيارته الموصدة، وعيناه مسمرتان على شاشة اللابتوب. الصورة التي عثر عليها قلبت كل الموازين؛ الرجل الذي يشبهه تماماً في الصورة لم يكن مجرد غريب، بل كان يحمل قلادة مطابقة تماماً لتلك التي ترتديها “نادية” في كل صورها القديمة. “كريم مش أخويا من الأب.. كريم هو المفتاح الحقيقي.” تمتم سيف بالكلمة وهو يشعر بصداع يفتك برأسه.
عاد سيف إلى بيت خالته منى، لكنه لم يجدها. وجد الشقة مقلوبة رأساً على عقب، وأثار عراك واضحة في الصالة. سقط قلبه في قدميه، اتصل بها فوراً، لكن هاتفها كان مغلقاً. على الطاولة، وجد ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد مرتب: **”لو عايز خالتك.. استناني في فيلا ‘البارون المهجور’ في طريق السويس الساعة 12 بالليل. ومعاك الصندوق.”** أدرك سيف أن فؤاد لم يكن وحده في هذه اللعبة، وأن هناك “طرفاً ثالثاً” تحرك بسرعة البرق بمجرد خروج الصندوق للنور.
في تمام منتصف الليل، وصل سيف إلى المكان المنشود. الفيلا كانت عبارة عن هيكل خرساني موحش وسط الصحراء. دخل وبيده الصندوق، وكشاف موبايلي يكسر ظلام المكان. “سيب الصندوق عندك وارجع خطوتين لورا.” جاء الصوت من الظلام، لكنه لم يكن صوت فؤاد. كان صوتاً أنثوياً حاداً. خرجت “نادية” من خلف أحد الأعمدة، ومعها رجلان ضخما الجــ,,ـــــثه، وأحدهما يمسك بالخالة منى وهي مقيدة ومكممة. سيف بغضب مكتوم: “نادية؟ إنتي اللي ورا كل ده؟ فؤاد كان مجرد ستارة ليكي؟”
ضحكت نادية بمرارة: “فؤاد كان فاكر نفسه العقل المدبر، وهو ميعرفش إنه كان مجرد ‘أداة’ عشان يحمي الميراث لحد ما كريم يكبر. فؤاد مش أبوك يا سيف، فعلاً.. بس الصدمة الحقيقية إن فؤاد كمان مش أبو كريم!” سيف بذهول: “يعني إيه؟” نادية وهي تقترب ببطء: “أنا ورحاب كنا صحاب زمان.. وأكتر من صحاب. رحاب اتجوزت الشخص اللي في الصورة، المالك الحقيقي لكل الأراضي دي. ولما مات في ‘دــ,,ـــــادث’ مدبر، فؤاد استغل الفرصة وتجوز رحاب عشان يسيطر على الأملاك. أما أنا.. فكنت حامل من نفس الراجل. كريم وسيف مش إخوات من الأب.. أنتوا إخوات ‘شقايق’ من الأب الحقيقي اللي فؤاد ق.تله!”
سيف شعر وكأن صاعقة ض.ربته: “إنتي بتقولي إيه؟ يعني إحنا..” نادية: “أيوة. فؤاد ق.تل أبوكم، وخد رحاب غصب عنها، وأنا وافقت أعيش معاه في الضلمة عشان أحمي حق كريم. بس رحاب كانت أذكى منا كلنا.. قسمت الميراث بطريقة تخليكم لازم تجتمعوا عشان يفتح الكنز الكبير. الصندوق اللي معاك فيه ‘نص’ الخريطة.. والنص التاني موجود في قلادة كريم!” سيف: “وعشان كده كنتي دايماً بتكرهيني؟ عشان أنا الوريث الشرعي اللي معاه الورق؟”
نادية: “أنا مابكرهكش يا سيف.. أنا خايفة منك. إنت طالع لأبوك في ذكاءه وهدوءه. ودلوقتي، هتديني الصندوق، وتاخد خالتك وتمشي من هنا، وتنسى إن ليك حق في أي حاجة.. وإلا خالتك هتحصل رحاب.” سيف نظر إلى خالته منى التي كانت تبكي بصمت، ثم نظر إلى الصندوق. وفجأة، ابتسم ابتسامة باردة. سيف: “إنتي فاتك حاجة واحدة بس يا نادية.. فؤاد مخرجش من القبو لوحده.” في تلك اللحظة، ظهر ضوء كشافات قوية حاصر الفيلا من كل جانب. صوت مكبرات الصوت اخترق السكون: **”المكان محاصر.. ارموا السلاح!”**
ارتبكت نادية، وفي لحظة خاطفة، هجم سيف على الرجل الذي يمسك بخالته، واستطاع تخليصها. نادية حاولت الهرب، لكن فؤاد ظهر فجأة من بين قوات الشرطة، بملابس ممزقة ووجه شاحب، يصرخ كالمنبوذ: “خنتيني يا نادية؟ بعتيني عشان كريم؟” حدثت فوضى عارمة. رصاص انطلق في الهواء، والشرطة اقتحمت المكان. فؤاد حاول الوصول لنادية، لكنه سقط برصاصة طائشة، ومات وعيناه مثبتتان على سيف.. عيون مليئة بالندم أو ربما بالحقد الأخير. بعد ساعات في قسم الشرطة، جلس سيف مع الأستاذ شاكر وخالته منى. نادية تم القبــ,,ـــــض عليها بتهمة الخ.طف والتواطؤ في جرائم قديمة.
شاكر: “دلوقتي يا سيف، الصورة وضحت. إنت وكريم أصحاب الحق. بس فيه مشكلة..” سيف: “إيه هي؟”