شاكر: “الفلاشة اللي كانت في الصندوق.. فيها ملف مشفر متبرمج إنه يمسح نفسه لو نادية اتقبــ,,ـــــض عليها. ويبدو إنها عملت كده من موبايلها قبل ما تتمسك.”سيف أخرج من جيبه فلاشة ثانية كان قد نسخها في السر قبل الذهاب للفيلا: “أنا اتعلمت من أمي يا متر.. مابحطش كل رهاناتي في مكان واحد.” فتح سيف الملف المشفر، وظهرت رسالة فيديو أخيرة من والدته رحاب، لكن هذه المرة كانت تتحدث لشخص ثالث لم يتوقعه سيف أبداً.
رحاب في الفيديو: “يا كريم.. لو بتشوف الفيديو ده، يبقى سيف وصلك. ماتصدقش أمك ولا تصدق فؤاد. الحقيقة مدفونة في ‘مقابــ,,ـــــبر العائلة’ بالبدرشين.. تحت شاهد قبــ,,ـــــر جدك. هناك السر اللي هيخليكم يا تعيشوا ملوك.. يا تمو.توا إخوات.” سيف أغلق اللابتوب، ونظر لخالته: “لازم أروح البدرشين.” منى بخوف: “سيف.. كفاية لحد كده.” سيف: “لازم أعرف مين أنا يا خالتي.. ولازم أعرف كريم هيختار مين فينا.” وفي تلك اللحظة، وصلته رسالة من رقم كريم: **”أنا مستنيك عند المقابــ,,ـــــبر.. لوحدك.”**
## الفصل الخامس: صرخة القبور وصل سيف إلى البدرشين قبل الفجر، حيث كانت هيبة المو.ت تلف المكان، والضباب يزحف فوق شواهد القبور كأنه أرواح تبحث عن مستقر. أوقف سيارته بعيداً، وترجل وهو يحمل كشافه اليدوي، يسير بخطوات ثابتة رغم الارتجاف الطفيف في يديه. عند قبــ,,ـــــر جده، وجد “كريم”. لم يكن كريم ذلك الفتى المدلل الذي رآه في الحفلة، بل كان يبدو شاحبًا، منكسرًا، يرتدي ثيابًا سوداء، وفي يده القلادة التي تحدثت عنها نادية.
كريم بصوت مخنوق: “كنت عارف إنك هتيجي.. أمي ضيعتنا يا سيف. عيشتني في وهم إني ابن عيلة الشرقاوي، وطلعت في الآخر ابن شخص مقتول حتى ملوش قبــ,,ـــــر معروف.” سيف بهدوء: “إحنا ضحايا يا كريم، بس الفرق إنك كنت بتضحك وإنت ضحية، وأنا كنت بتوجع. هات القلادة، خلينا ننهي الكابوس ده.” اقترب كريم وسلمه القلادة. كانت عبارة عن قطعة من الفضة القديمة، وفي ظهرها ثقب دقيق يتطابق تماماً مع بروز صغير في المفتاح الذي وجده سيف في القبو.
وضع سيف القلادة فوق شاهد القبــ,,ـــــر الرخامي، وبدأ في إزالة الأتربة عن جزء مخفي في جانب الشاهد. كان هناك تجويف غائر، وضع فيه القلادة وضغط بقوة. سمعا صوت تروس معدنية تتحرك تحت الأرض.. صوت قديم لم يسمعه أحد منذ عقود. انزاحت صخرة جانبية لتكشف عن “سرداب” ضيق ينزل إلى الأسفل. نزل سيف وتبعه كريم بحذر. في نهاية السرداب، وصلا إلى غرفة صغيرة مربعة، جدرانها مغطاة بصور فوتوغرافية قديمة، ووثائق حكومية مختومة بختم الملكية المصرية القديمة.
في منتصف الغرفة، كان هناك “مكتب خشبي” فخم، وفوقه رسالة أخيرة من “رحاب”، لكنها كانت موجهة للاثنين معاً. سيف قرأ بصوت مسموع: **”سيف.. كريم.. إذا وصلتكم هذه الغرفة، فأنتم الآن أمام الحقيقة العارية. والدكم ‘ياسين الماردي’ لم يق.تله فؤاد وحده. فؤاد كان مجرد منفذ.. المحرض الحقيقي كان الشخص الذي يثق فيه الجميع. الشخص الذي أدار أموال العائلة من خلف الستار طوال ثلاثين عاماً.”** كريم برعب: “بتقصد مين؟” سيف أكمل القراءة والدم يغلي في عروقه: **”المحامي شاكر.”**
توقف سيف عن القراءة، وشعر ببرودة المعدن خلف رأسه. “كمل يا سيف.. كمل القراءة، الجزء اللي جاي مشوق أكتر.” التفت سيف ببطء ليجد “الأستاذ شاكر” يقف عند مدخل السرداب، وبيده مسدس كاتم للصوت، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لا تشبه أبداً وجه المحامي الطيب الذي عرفه. شاكر ببرود: “رحاب كانت ذكية، بس عاطفتها غلبتها. كانت فاكرة إنها لما تخبي السر هنا، هتحميكم. هي ماعرفتش إني كنت براقب كل خطوة بتعملها. أنا اللي خليت نادية تخ.طف خالتك عشان أجرك لهنا، وأنا اللي خليت فؤاد يتجنن ويدور في العمارة عشان يشتت انتباهك.”
سيف بغضب: “ليه؟ كنت بتاخد نسبتك من الأموال، ليه تق.تل أبويا؟” شاكر بضحكة هستيرية: “نسبة؟ أنا كنت عايز ‘الأصل’. أبوكم كان رافض يبيع أراضي طرح النهر لشركة أجنبية أنا كنت شريك فيها بـ 40%. مو.ته كان ضرورة اقتصادية. ودلوقتي، مو.تكم إنتوا الاتنين هنا، هينقل كل حاجة لـ ‘الوصي القانوني’ اللي هو أنا، بحكم الأوراق اللي سيف بنفسه وقع عليها في مكتبي من يومين وسط الزحمة.”أمضى سيف وكريم أسبوعاً في منزل ريفي منعزل تابع للخالة منى في أطراف المنصورة، بعيداً عن أعين الصحافة التي ضجت بخبر “مجزرة المقابــ,,ـــــبر” واختفاء المحامي الشهير شاكر.
كان سيف يقضي ليله في دراسة الملفات التي استطاع إنقاذها، بينما كان كريم يحاول استيعاب حقيقة أنه عاش حياته كلها كـ “كومبارس” في مسرحية أعدتها أمه ونفذها فؤاد. سيف وهو يشير لشاشة اللابتوب: “بص يا كريم.. الشركة اللي شاكر كان وكيلها اسمها ‘نورديك إنفست’. دي مش شركة استثمار، دي واجهة لغسيل أموال بتديرها عائلات قديمة في أوروبا. وأبوك، ياسين الماردي، مكنش مجرد صاحب أراضي.. ده كان الصندوق الأسود لعملياتهم في الشرق الأوسط.” كريم بذهول: “وعشان كده أمي كانت خايفة؟”
سيف: “أيوة. أبوك قرر ينسحب ويبلغ عنهم، فصفوه. والورق اللي معانا مش بس عقود ملكية، دي ‘أكواد’ لحسابات مشفرة فيها مبالغ تخلينا نشتري نص شركات القاهرة. هما مش عايزين ي.ونا وبس.. هما عايزين الأكواد اللي متوزعة بين ذاكرتي وذاكرتك.” كريم: “ذاكرتي أنا؟ أنا معرفش حاجة!” سيف ابتسم بمرارة: “فاكر الأغنية اللي أمك كانت بتغنيها لك وإنت صغير؟ اللي كانت بتقول إنها كلمات ملهاش معنى؟ أنا سجلتها من ذكرياتك وإحنا في السرداب لما كنت بتخرف وإنت فاقد الوعي. دي ‘شفرة صوتية’ لفتح ملفات سويسرا.”
قرر الشقيقان السفر، ليس هرباً، بل للهجوم. بجوازات سفر استخرجها لهما الأستاذ شاكر (قبل اكتشاف خيانته) كخطة بديلة، وصلا إلى مطار جنيف. كان في انتظارهما سيارة سوداء فارهة. لم يكن هناك تهديد بالسلاح هذه المرة، بل “بروتوكول” بارد ومرعب. وصلا إلى قصر يطل على بحيرة ليمان، حيث استقبلهما رجل في السبعين من عمره، يدعى “ألكسندر”، كان يتحدث العربية بلكنة شامية دقيقة. ألكسندر بابتسامة جليدية: “أهلاً بأبناء ياسين.. تأخرتم كثيراً. والدتكم رحاب كانت تظن أن إخفاءكم في أحياء القاهرة الشعبية سيحميكم من قدركم، لكن الدم دائماً يحن لمنبعه.”
سيف جلس ببرود ووضع قدمًا فوق الأخرى: “إحنا مش جايين عشان القدر يا ألكسندر. إحنا جايين نقفل الحساب. إنتوا مدينين لآل الماردي بـ 400 مليون دولار أرباح محتجزة من سنة 1998، بالإضافة لتعويض عن دم أبونا.” ضحك ألكسندر بصوت عالي: “تعويض؟ إنت في بيت القوة يا سيف، مش في محكمة عابدين. الأكواد اللي معاك ملهاش قيمة لو مخرجتوش من هنا عايشين.”
سيف أخرج موبايله وضعه على الطاولة: “الملفات دي مربوطة بـ ‘مفتاح ميت’. لو قلبي وقف، أو لو مأكدتش هويتي كل 6 ساعات، الملفات اللي بتثبت تورط شركتكم في تمويل عمليات مشبوهة في 10 دول هتوصل للإنتربول وللصحافة العالمية. أنا مش فؤاد الشرقاوي اللي بتخوفوه.. أنا سيف الماردي، اللي جاب 98.7% في الثانوية العامة بالكدب عشان بس يعرف يطرد أبوه من البيت.” ارتبك ألكسندر للمرة الأولى. سيف لم يكن يطلب المال، كان يطلب “الرؤوس”.
كريم تدخل فجأة، وكأنه استعاد شجاعة والده: “وكمان عايزين نعرف مين الخاين التاني.. نادية مكنتش بتتحرك من دماغها، وشاكر كان مجرد محامي. فيه حد تالت في مصر هو اللي سلم بابا لفؤاد زمان. حد لسه عايش وسطنا.” نظر ألكسندر لهما طويلاً، ثم أخرج ملفاً أحمر من درج مكتبه ورماه أمامهما. ألكسندر: “الشخص ده هو اللي بعت لنا مكانكم في المقابــ,,ـــــبر. هو اللي كان بيراقبكم من أول يوم سيف قال فيه ‘أنا سقطت’.” فتح سيف الملف، وتجمدت الدماء في عروقه. الصورة لم تكن لعدو، بل كانت لشخص كان يظنه الملاذ الأخير.
سيف بهمس: “مش ممكن..” كريم صرخ: “دي خالتو منى؟!” في تلك اللحظة، رن هاتف سيف. كانت رسالة صوتية من منى: **”سيف يا حبيبي.. وصلت سويسرا؟ أتمنى تكون الأمانة عجبتك. بس نسيت أقولك، الساعة اللي في إيدك.. فيها جهاز تتبع مش بس بيعرف مكانك، ده كمان بيتحكم في ضــ,,ـــــربات قلبك. سلم الأكواد لألكسندر يا سيف.. عشان ترجع تعيش معايا في هدوء.”** أدرك سيف الآن أن اللعبة كانت أكبر من عمارة وقبــ,,ـــــر.. كانت صراع أجهزة وعائلات، وأن “الحب” الذي احتواه طوال سنوات كان أكبر خدعة في حياته.
سيف نظر لألكسندر وقال وعيناه تشتعلان: “دلوقتي.. اللعبة بقت شخصية جداً.”134
فجأة، انطلقت صفارات الإنذار في القصر، واقتحمت مجموعة مسلحة مجهولة المكان من النوافذ، لم تكن تابعة لألكسندر ولا للشرطة. سيف سحب كريم تحت الطاولة وهو يصرخ: “دي مش خالتك اللي بعتتهم.. دي الجهة اللي خالتك خايفة منها!” وسط طلقات الرصاص والدخان، ظهرت امرأة ترتدي ملابس سوداء بالكامل، رفعت قناعها لتكشف عن وجه يشبه وجه سيف وكريم بشكل لا يصدق.. لكنها كانت أكبر سناً. المرأة: “قوم يا سيف.. قوم يا كريم. أنا ‘رحاب’.. وأنا لسه عايشة.”
## الفصل الثامن: بعث من الجحيم ساد صمت مطبق لم يقطعه إلا صوت أزيز الرصاص في الخارج. سيف تجمد في مكانه، نظراته معلقة على وجه المرأة التي كان يزور قبــ,,ـــــرها كل عام. الملامح هي ذاتها، لكن النظرة كانت باردة وقاسية، نظرة شخص مات وعاد من الجحيم ليحــ,,ـــــرق الجميع. كريم همس بصوت مرتجف: “ماما؟ إزاي.. إحنا دفــ,,ـــــناكي.. أنا شفت الجنازة!”
رحاب بابتسامة مريرة وهي تضع سلاحها في حزامها: “اللي دفــ,,ـــــنتوه كانت جــ,,ـــــثه مجهولة ملامحها ضايعة، فؤاد وشاكر ساعدوني في التمثيلية دي.. هما عشان يخلصوا من ضغط ‘نورديك’، وأنا عشان أراقبكم من بعيد لحد ما يجي اليوم اللي تقدروا فيه تفتحوا الصندوق. لو كنت بقيت معاكم، كانوا .ونا كلنا في ليلة واحدة.” ألكسندر، الذي كان يحاول الوصول لهاتفه، وجد فوهة مسدس رحاب موجهة لجبينه.
رحاب: “اقعد يا ألكسندر.. حسابك معايا قديم، من يوم ما أمرت بتصفية ياسين الماردي في طريق السويس. فاكر إن ‘منى’ كانت بتشتغل لحسابك؟ منى كانت بتشتغل لحسابي أنا.. هي اللي كانت بتحميهم وتراقبك وتراقب فؤاد في نفس الوقت.” سيف قام ووقف بصلابة، لم تخدعه العاطفة. نظر لوالدته وقال بجفاء: “يعني خالتو منى مكنتش بتخوننا؟ والرسالة اللي بعتتها عن الساعة وجهاز التتبع؟” Post Views: 134
رحاب: “دي كانت شفرة عشان أتحرك.. منى عرفت إن ألكسندر قرر يصفيك بمجرد ما ياخد الأكواد، فكان لازم تعمل المسرحية دي عشان تديني إشارة الهجوم.”
سيف صرخ بغضب: “وكل السنين دي؟ كل الوجع ده؟ عيشينا في كدبة إننا إخوات من الأب، وبعدين طلعنا إخوات شقايق، وبعدين طلعتي عايشة! إنتي مفرقتيش عن فؤاد ونادية في حاجة.. كلكم استخدمتونا كقطع شطرنج!” رحاب اقتربت من سيف وحاولت لمس وجهه، لكنه تراجع.